الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
69
شرح ديوان ابن الفارض
وقد فرّق بين دمع الحزن ودمع الفرح بأن الأول يكون سخنا والثاني يكون باردا ، ويشهد لذلك قول قيس بن الملوّح العامري المعروف بالمجنون وهو عاشق ليلى حيث يقول : دعا باسم ليلى أسخن اللّه عينه * وليلى بأرض الشام في بلد قفر دعا باسم ليلى غيرها فكأنما * أطار بليلى طائرا كان في صدري وعين الماء معروفة وهي ضمير لعين الماء . و « إحدى » بالكسر بمعنى الواحدة . و « منيتيّ » مثنى منية بالضم وهي المطلوب والإضافة اقتضت حذف نون التثنية . الإعراب : هبوا : فعل وفاعل . وعينيّ : مفعوله ، والياء محلها الجر بالإضافة . وما : مصدرية ظرفية . وأجدى : فعل ماض . والبكا : فاعله ، والظرف المأخوذ من ما المصدرية الظرفية متعلق بقوله : فهبوا . وعين ماء : بالنصب مفعول هبوا ، وهي مضاف إلى الماء وهي مبتدأ . و « إحدى » : خبره وهو مضاف إلى منيتيّ . المعنى : هبوا يا أحبتي عيني ماء أبكي بها لأن دمعي قد نفد مدة إجداء البكاء ، أي قبل حصول الفناء واضمحلال الجسم ، فإن الدمع حينئذ لا يجدي نفعا فعين الماء إحدى منيتي ، فالمنية الواحدة عين الماء ليبكي بها كما تقرر ، والمنية الثانية الحشا السالي كما ذكرها في البيت الذي بعده . وفي البيت الجناس التام بين العين والعين ولا عبرة بزيادة الأولى لأن الذي زادت به على العين الثانية علامة التثنية وهي زيادة لا تقدح في تمامية الجناس ، وفيه أيضا الجناس المصحّف المحرّف بين أجدى وإحدى ، وفيه أيضا الجناس المستوي بين ما المصدرية وما الذي أضيفت العين إليه . ( ن ) : يعني هبوا عينيّ الظاهرة في عالم الحسّ والباطنة في عالم المعاني ، أي عالم الملك وعالم الملكوت مدة نفع البكاء لي ، أي مدة بقاء الوجود منسوبا إلى عين ماء الحياة الحقيقية لأن الماء سرّ الحياة فإذا سرى سرّ الحياة الحقيقة في بصر العين الظاهرة كشفت عن عالم الملك وتجلياتكم فيه ، وإذا سرى سرّ الحياة الحقيقية في بصيرة العين الباطنة كشفت عن عالم الملكوت الأعلى وتجلياتكم فيه . اه . أو حشا سال ولا أختارها إن تروا ذاك بها منّا عليّ الحشا ما دون الحجاب مما في البطن من كبد وطحال وكرش وما يتبعه وهو باعتبار كونه عبارة عن شيء دون الحجاب مذكّر وباعتبار أن ذلك الشيء عبارة عن